كيف “تحيّد” أمريكا أئمّةَ المسلمين: قضيّة أحمد عمر أبو علي

بسم الله الرحمن الرحيم

كثيرًا ما يشعر المسلمون في الولايات المتّحدة بالحسرة على وضع أئمّتهم وقادَتِهم، ويشعر المسلمون في بقاع الأرض الأخرى بالصدمة ممّا يدعو له “علماء” وأئمّة الولايات المتّحدة.

تعجز الصدفة عن تفسير تواتر الأئمّة المتصدّرين هؤلاء على اتباع أجندةٍ مصمّمةٍ لتقويض الأمّة. فلا يُمكن هذا إلّا إذا جرت عمليّة اختيارٍ معقّدةٍ جدًّا تتخلّص من الأشخاص الذين قد يتسبّبون بمشاكل إذا صاروا قادةً في المستقبل، وتبقي على المتعاونين.

أحمد عمر أبو علي رجلٌ مسلمٌ وُلِدَ في (هيوستن، تكساس)، تربّى في أسرةٍ من الطبقة المتوسّطة العليا في منطقة (فالز تشيرتش، فيرجينيا)، وكان يذهب إلى مسجد دار الهجرة في مدينة الإسكندرية التابعة لولاية (فرجينيا). عملَ والدُ أحمد لدى سفارة المملكة العربيّة السعوديّة في العاصمة واشنطن. أنهى أحمد تعليمه الثانويّ في الأكاديميّة الإسلاميّة السعوديّة، ثم دخل جامعة (ماريلاند) لدراسة البكالوريوس.
(فيديو لأحمد أبو علي وهو يقرأ القرآن):

في سبتمبر عام 2002م، شعر أحمد بأنّ عليه أن يغيّر مسار حياته، قد يكون لأحداث 11/سبتمبر/2001م أثرٌ في تشجيعه على تعلّم دينه تعلّمًا أفضل، ولكنّنا غير متيقّنين من هذا. قرّر أحمد أن يترك جامعة (ماريلاند) ويسافر إلى السعوديّة لتعلّم الإسلام.

قُبِلَ أحمد في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنوّرة، وقد كانت في ذلك الوقت أرقى مركزٍ للتعليم الجامعي الإسلاميّ والدراسات العليا الإسلاميّة في العالم. لا يمكننا إلا أن نتخيّل مقدار ابتهاج أحمد حين بدأ بالذهاب إلى الجامعة وتكوين صداقاتٍ مع زملائه من طلبة العلم، ورؤية علماء كان يسمع عن أمثالهم سماعًا فقط.

لم يكن واضحًا ما حدث بعد ذلك، وفقًا لحكومة الولايات المتّحدة الأمريكية بدأ أحمد فور وصوله بالتواصل مع عناصر من تنظيم القاعدة يعملون في وضح النهار في المدينة المنوّرة، ولكنّ هذه الرواية مطعونٌ فيها، فوفقًا لمحامي الدفاع، كان أحمد بكل بساطةٍ يتابع دراسته في جامعة المدينة كي يصير عالمًا.

اعتقلت أجهزة الاستخبارات السعوديّة أحمد عام 2003م، بعد عامٍ واحدٍ من بدء دراسته. فُتِّشَت غرفتُه السكنيّة ولم يُعثَر على شيءٍ فيها، وقد بنى محامو الادّعاء تتمّة سرديّتهم، وكذلك قرارهم النهائي بإدانة أحمد، على الدليل الوحيد الذي كان بحوزتهم: ألا وهو اعترافه.

تعرّض أحمد أبو علي للاحتجاز والتحقيق، كتبت منظّمة العفو الدوليّة في تقريرها:

وفقًا لأقوال أحمد أبو علي، فقد طلب بعد الجلسة الرابعة أو الخامسة من التحقيق معه من قبل المباحث العامة في مركز اعتقال في المدينة، أن يلتقي بمحام، فما كان إلا أن انهالت عليه اللكمات والركلات في معدته، وكُبِّلت يداه وأجبر على البقاء في وضع القرفصاء، وضُرب بأداة صلبة أكثر من 10 ضربات مرتديًا قميصه ودون قميص بالتناوب. ويقول أيضًا إنه هُدد ببتر أطرافه أو بقطع رأسه، وإنه تعرض للجلد لعشرين مرة أو أكثر وهو موثوق إلى الأرض بالسلاسل في وضع الزحف وظهره وعنقه مكشوفان تمامًا.

ثمّ أُخِذَ أحمد إلى سجنٍ آخرَ قريبٍ من الرياض ووُضِعَ في العزل الانفرادي شهرين تقريبًا. يُعَدّ الحبس الانفرادي لأي مدّة تتجاوز بضعة أيامٍ تعذيبًا قد يتسبّب بضررٍ عقليٍّ دائمٍ. في تلك الفترة وكي يتجنّب أحمد -على الأرجح- مزيدًا من التعذيب، زُعم بأنه اعترف بكلّ التهم الموجّهة إليه.

بعد ذلك، سافر عناصر من مكتب التحقيقات الفيدرالي للتحدث معه وجهًا لوجهٍ في سبتمبر عام 2003م أثناء احتجازه في الرياض، وطلب حينها محاميًا مرّة أخرى، وهو ما يُعَدّ حقًّا له تحت كل الاتفاقيّات القانونيّة الدوليّة. ذكرت منظّمة العفو الدوليّة:

وزعَم أنه في إثر هذه المقابلة، تعرض مجددًا للكم والركل و”كُبلت يداه بسلسلة معلقة من السقف وترك واقفًا على قدميه حتى ما بعد الظهر“. واستنطق موظفون تابعون للولايات المتحدة أحمد أبو علي لأربع ليال في سبتمبر/أيلول 2003. وقال أحد عملاء مكتب التحقيق الفيدرالي إنه وأحمد أبو علي،

“…ناقشا احتمالات أن يُحاكم السيد أبو علي في المملكة العربية السعودية، أو أن يُحاكم في المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، أو أن يُعلن عنه على أنه “مقاتل عدو” ويُحبس بالتالي إلى أجل غير محدود، وربما مدى الحياة بلا محاكمة، في الولايات المتحدة”.

وقد صدّق القاضي المكلّف بالإجراءات الجنائية ومحامي الادّعاء في الولايات المتحدة كلاهما بأنّ أحمد قد تعرّض للتعذيب، فقد أشار القاضي (جون بيتس) في محكمة مقاطعة كولومبيا إلى أن “هناك بعض الأدلة الظرفية على الأقل بأن (أبو علي) قد تعرّض للتعذيب أثناء التحقيقات بمعرفة الولايات المتحدة“.

وقد سأل محامي الدفاع الخاص بأحمد المدعي العام الفيدرالي (غوردون كرومبيرغ) عمّا إذا كانت ستُوَجّه تُهَمٌ لأحمد في الولايات المتحدة، فأجاب (كرومبيرغ): “لا نفع لنا به هنا، إذ لم تتبقَّ له أظافر.

لم يحصل أحمد عمر أبو علي على محامٍ لتمثيله حتى تشرين الأوّل عام 2005م، أي بعد أكثر من عامين، وكان هذا انتهاكًا لحقه الدستوري الأمريكي في الحصول على محاكمة سريعة ومستشار قانوني والكثير غيرهما، بالرغم من شهادته:

وقد شهد أحمد أبو علي بأنه، وأثناء هذه الإجراءات السابقة على المحاكمة، تعرض للصفع وللضرب وللجلد، بينما كان معصوب العينين ومحرومًا من النوم والطعام، وفي مناسبة أخرى مكبلًا ومعلقًا من السقف.

ومع كل هذا رأى القاضي أنّ اعترافاته كانت طوعيةً وأنه يمكن التعويل على توثيق الحكومة السعودية لها، بالرغم من شهادة العديد من المواطنين البريطانيين الذين كانوا في نفس السجن في الوقت نفسه بأنهم أيضًا قد اعترفوا تحت التعذيب بتهمٍ متعلّقةٍ بالإرهاب، بصورةٍ مطابقةٍ تقريبًا لما حصل مع أحمد، وبالرغم من أن (د. ألين كيلير) وهو مدير (برنامج جامعة نيويورك للناجين من التعذيب) قد فحص ظهر أحمد ووجد آثار جلدٍ وتعذيبٍ.

لماذا تقبل الولايات المتحدة بهذه الشهادة الزائفة؟

أثناء حركة الحقوق المدنية، أنشأت أجهزة الاستخبارات الأمريكية منهجيةً لزعزعة استقرار حركات السود القوميّة أو الانفصاليّة، يمكن تلخيص هذه الاستراتيجيّة في أربع خطوات: 1)تحديد الهدف، 2)عزله، 3)تشويه سمعته، 4)تحييده. بهذه الطريقة، استطاعت الحكومة أن تحبط الكثير من جهود هذه المنظمات وأن تحرِفَ مسار طاقاتها الثورية إلى اتّجاه آخر، فتمكنت من السيطرة على مجتمعاتها.

بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وانتشار تكتيكاته الاستخباراتية على الملأ، تمكّنت الولايات المتحدة من تعديل هذه التكتيكات وتضمينها في عمليّاتها الداخلية غير القانونيّة.

ثم حسّنت هذه التكتيكات في “الحرب الداخلية على الإرهاب”. وقد احتاجت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية إلى طريقة فعالة لزعزعة استقرار المجتمع المسلم والتخلص من الأئمّة الذين قد يخالفون مصالح الحكومة، وتوجّب إيقاف كلّ قائد أو متحدّث يستطيع تغيير الرأي العام ضد سياسات أمريكا الخارجية أو حملتها الكبرى ضدّ الإسلام.

أوّلًا يتمّ (تحديد) هؤلاء القادة المحتملين، كان من الراجح أن يصير أحمد عالمًا كبيرًا وواعظًا مؤثّرًا لا للمسلمين الأمريكيين فحسب، بل لكل المسلمين الناطقين بالإنجليزيّة، فبالإضافة لكونه رجلًا حادّ الذكاء ومفوّهًا وذا شخصيّةٍ جذّابة، فقد كان يسعى لتحصيل إجازات علميّة تهيّئه لهذا الدور القيادي. ثانيًا تمّ (عزله)، وحُبِسَ وعُذِّبَ في غيابات السجون. وثالثًا تمّ (تشويه سمعته) بالربط بينه وبين منظمات عديدة.

ماذا حصل لأحمد؟

حُكِمَ عليه بالسجن ثلاثين سنة، حين كان في بداية عشريناته. وشعرت عائلته ومحاموه والعديد من منظّمات المناصرة غير الحكومية بأن هذا الحكم ظالم، فقاموا بالاستئناف على أساس عدّة مسائل قانونية متعلّقة بالقضيّة، وفاز أحمد بهذا الاستئناف.

ولكنّ الحكومة أعادت إصدار الحكم عليه بالسجن المؤبد فور فوزه بالاستئناف. وهو الآن في سجن مشدّد الحراسة خاضع لأقصى التدابير الأمنية، حيث أمضى عقدين من الزمن تقريبًا في العزل الانفرادي.

في الجلسة التي أُعيد فيها إصدار الحكم عليه، قال الإمام أحمد عمر أبو علي:

يقولون إنني مجرم، وأنا أقول: ألا لعنة الله على المجرمين من بيننا.

أيّها القاضي (لي)، أذكّرك بأنّك أيضًا ستقف معي بين يدي الله تعالى للحساب.

يومئذٍ لن تجد من يحامي عنك ولا من يجادل… ولا يخفى على الله شيء، وهو عليمٌ بذات الصدور.

 إن لم يقلقك هذا، فاقضِ ما أنت قاضٍ.

قال الله تعالى:

﴿ قَدِ افتَرَينا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِن عُدنا في مِلَّتِكُم بَعدَ إِذ نَجّانَا اللَّهُ مِنها ۚ وَما يَكونُ لَنا أَن نَعودَ فيها إِلّا أَن يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا ۚ وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيءٍ عِلمًا ۚ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلنا ۚ رَبَّنَا افتَح بَينَنا وَبَينَ قَومِنا بِالحَقِّ وَأَنتَ خَيرُ الفاتِحينَ ﴾. (سورة الأعراف – الآية 89).

 

MuslimSkeptic Needs Your Support!
Subscribe
Notify of
guest

0 Comments
Inline Feedbacks
View all comments