تُفهَم ضرورة وجود الخلافة من القرآن والسنة والتراث الإسلامي، ولكن يمكن استنباطها كذلك من منطلق عقليّ واضح ومن معرفتنا بواقعنا الحالي وبالتاريخ الحديث.
إن كان الحفاظ على الإسلام وحياة المسلمين يهمّنا، فهو أمر بعيد المنال ما لم يتمتّع المسلمون بالاستقلال السياسي.
ففي النهاية تعمل الدول القائمة على العرق للحفاظ على مصالحها الخاصة. إن كانت مساعدة المسلمين على الفرار من الإبادة الجماعية تؤثر سلبًا على مصالح الدول، فإن الأولوية تُعطى لتلك المصالح. وحدها الخلافة متعددة الأعراق تُحتّم جعل حياة المسلمين أولوية حيثما كانوا. إن لم تستطع استيعاب هذا، فتأمل ببساطة حال الفلسطينيين والأويغور في عصرنا، واستعداد البلدان العرقية الإسلامية ليس فقط للتغاضي عن إبادتهم جماعيا، بل حتى للتحالف مع مضطهديهم من الكفار. وتوجد أمثلة أخرى لا حصر لها.
للحفاظ على الإسلام لا غِنى كذلك عن الاستقلال السياسي. فكّر في هذا: يتطلب الحفاظ على التعاليم الإسلامية مؤسساتٍ غير خاضعة للجماعات الحزبية، بينما دأبت الحكومات الوطنية على إخضاع تلك المؤسسات حتى تعلّم نسخة من الإسلام ترضي الدولة، نسخةٌ تجعل بدورها مصالح الدولة هي الأولوية. كما أن الهيمنة الليبرالية تسعى بكامل قوّتها لتدمير الإسلام التقليدي الأصيل لأنها تعتبره تهديدًا لسلطتها.
لهذا السبب عملوا على تقويض مؤسسات التعليم الإسلامية الأصيلة بطرق مباشرة وغير مباشرة على مدار مئتين وعشرين عامًا مضت، ليستبدلوها بإسلام في ثوب ليبرالي يوافق لحد كبير القيم والمصالح العلمانية الليبرالية، وذلك في سبيل القضاء تماما على الإسلام في النهاية.
إن الاستقلال السياسي الإسلامي هو السبيل الوحيد والخطوة الأولى لمواجهة ذلك.
وهنا مثال بسيط يبين ضرورة ذلك:
دعا الكثير من المسلمين بعدما رأوا من حجم الرقابة الواقعة في مجال الإنترنت لإنشاء منصة للتواصل الاجتماعي يتحكم بها المسلمون. لكنهم مخطئون باعتقادهم أن مثل هذه المنصات ستوفر حماية للمسلمين من الرقابة ممّا يسمح بتمثيل الإسلام الحقيقيّ وتعليمه.
هذا غير صحيح، تستطيع الجهات الليبرالية أن تدفع بسهولة مزودي خدمات الإنترنت واستضافة المواقع لإغلاق المنصة إذا صارت ذات شهرة واسعة وتأثير شديد، وصارت بذلك تشكّل تهديدًا كبيرًا.
ربما يمكن استضافة المنصة الإسلامية في بلد قوي مستقل عن النظام الليبرالي، كروسيا أو الصين. ولكن أتعتقدون أن روسيا أو الصين ستسمحان بإبداء آراء تعارض مصالحهما الوطنية على المنصة؟
إذًا ربما الأنسب اختيار دولة أصغر وأفقر لا تبالي بالإسلام. ربما يمكن استضافة المنصة هناك. ولكن إن أصبحت المنصة ذات شهرة كبيرة ووحّدت مسلمين كُثُر، فسيتم اعتبارها «تهديدًا للأمن القومي» للدول الليبرالية أو حتى وصفها بأنها «شبكة إرهابية»، وستُوجّه عقوبات أو إجراءات عسكرية للدولة المضيفة بغرض إجبارها على إغلاق المنصة.
لا تستطيع مقاومة هذه الرقابةِ إلا سلطة سياسية إسلامية مستقلة. ولا تستطيع تحقيق كامل متطلبات الحفاظ على التعاليم الإسلامية وحياة المسلمين إلا لسلطة سياسية مستقلة. لا بديل لذلك بكل بساطة.
لهذا السبب بالضبط تحارب الهيمنة الليبرالية العالمية بكل الوسائل لمنع حدوث ذلك. يُسمَح للهندوس إقامة دولة مبنية على الهوية الهندوسية، وللصينيين إقامةُ دولة على الهوية الصينية، وللفرنسيين إقامةُ دولة على الهوية الفرنسية، ولليهود إقامةُ دولة على الهوية اليهودية. لكن لا يُسمَح للمسلمين إقامة دولة أساسها الهوية الإسلامية.
أيّ مسلم لا يستطيع رؤية هذا – كيف أن المسلمين خاضعون لقوة استبدادية قمعية تريد محو الإسلام من العالم – ولا يرغب في الحل (وهو الخلافة) للخروج من هذا الوضع والحفاظ على الإسلام وحياة المسلمين، ما هو إلا جاهل لأقصى حدٍّ أو منافق.

